روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
334
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً : زاد تذكير نعمه على عباده بأن نزّل من سماء قربه مياه المعرفة ، ونور المشاهدة ، وبيان المكاشفة على قلوب المقبلين إليه ، وأنبت فيها نبات العقول والعلوم والحكم والمعارف قوة للمريدين وقوتا لقلوب الطالبين ، قال اللّه تعالى : رِزْقاً لِلْعِبادِ . قال ابن عطاء : أنزلنا من السماء الفهم والعلم والمعرفة ، فربينا بها قلوب أولى الألباب وأهل المعرفة والفهم ، فهو الخطاب ، واستعملوه ، وألبسوا به ، واتبعوه ، فأنبت اللّه بذلك الماء في قلوبهم معرفته ، وعلى لسانهم ذكره ، وعلى جوارحهم خدمته : أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . * [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 16 إلى 21 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 19 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 ) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ : أراد اللّه سبحانه ظهور نفسه لعشاقه ، فخلق آدم على ما كان في علمه ، ثم أظهر منه ما غاب عن الوجود من نور غيبه ، وبيّن أنه عالم بما يجري في سره وما توسوس به نفسه ، وكيف يخفى عليه ما خلقه ، وهو مبدئه بجوده ، جلّت عظمته من أن تخفى عليه ذرة من العرش إلى الثرى ، ألا ترى أوّل الخطاب كيف قال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ، ذكر الخلق ليعلم المخاطب أن ما توسوس به نفسه أيضا هو مخلوقه ، وتحقيق الإشارة ودقائق الرمز بيان فيه أن نفسه هو ، فيظهر ما كان في مكمن مقاديره الغيبية ، ولو يرى الإنسان نفسه ، فيرى هو أنه نفسه ، ألا ترى كيف أخبر عن كمال قربه بنعت الاتحاد بقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ؛ ولذلك قال سيد المرسلين صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » ؛ إذ لا نفس إلا هو إن فهمت ما قلت وإلا فاعلم أن الفعل قائم بالصفة ، والصفة قائمة بالذات ، فمن حيث عين الجمع ما هو إلا هو ، ولا تظن الحلول ؛ فإنه بذاته وصفاته منزّه عن أن يكون له محل في الحوادث ، هذا رمز العاشقين ، ألا ترى إلى قول مجنون العشق الإلهي : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 208 ) .